ابن العربي
94
أحكام القرآن
وتحقيق القول فيه أنها سبب وداعية إلى الجماع ، وذريعة داعية إليه ، فيختلف في حكمها كاختلافهم في تحريم الذّرائع التي تدعو إلى المحظورات ؛ فأما علماء المالكية فاعتبروا حال الرجل وخوفه على صومه وأمنه عليه من نفسه ، وقد ثبت « 1 » أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقبّل أزواجه - عائشة وغيرها ، وهو صائم ، ويأمر بالإخبار بذلك ؛ لكن النبي كان أملكنا لإربه « 2 » . وقد خرّج مسلم أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أفتى عمر بن أبي سلمة بجوازها وهو شاب ، فدلّ أنّ المعوّل فيها ما اعتبر علماؤنا من حال المقبّل ، لكن منهم من تجاوز في التفصيل حدّ الفتيا ، ونحن نضبط بحول اللّه تعالى ، فنقول : أما إن أفضى التقبيل والمباشرة إلى المذي فلا شيء فيه ؛ لأنّ تأثيره في الطهارة الصغرى ، وأما إن خيف إفضاؤه إلى المنىّ فذلك الممنوع ، واللّه أعلم [ 51 ] . المسألة الرابعة عشرة - إن قيل : كيف يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى : الخيط الأبيض الفجر ، ويتأخر البيان « 3 » مع الحاجة إليه ؟ وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه مع بقاء التكليف حتى يقع الخطأ عن المقصود لا يجوز . فالجواب أنّ البيان كان موجودا فيه ، لكن على وجه لا يدركه جميع الناس ؛ وإنما كان على وجه يختصّ به بعضهم أو أكثرهم ، وليس يلزم أن يكون البيان مكشوفا في درجة يطّلع عليها كلّ أحد ؛ ألا ترى أنه لم يقع فيه إلا عدىّ وحده ، وأيضا فإنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يعنّف عديّا ، وأنزل اللّه تعالى البيان فيه جليّا . وقد روى في حديث عدىّ أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال له : إنك لعريض القفا ، وضحك ؛ ولا يضحك إلا على جائز ، وليس فيما ذكر له إلا تعريضه للغباوة . المسألة الخامسة عشرة - إذا جوّزنا له الوطء قبل الفجر ففي ذلك دليل على جواز طلوع الفجر عليه ، وهو جنب « 4 » ؛ وذلك جائز إجماعا ؛ وقد كان وقع فيه بين الصحابة رضوان اللّه
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 777 ( 2 ) بعضهم يرويه بفتحتين بمعنى الحاجة . وبعضهم يرويه بكسر فسكون ، وهو يحتمل معنى الحاجة والعضو . ( 3 ) في هامش م هنا : مسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة . ( 4 ) في هامش م هنا : مسألة صوم الجنب .